الحكيم و ألسماء                         

                                                                                                                    نزار خليل بتي

ألى متى ...!؟
الى متى سيدوم هذا ألخصام و ألفصام بين ألغيوم و ألسماء....فهذه ألسنة ألثالثة ألعوجاء تمر على قريتي بلياليها و نهارها من دون أن تتذوق طعم ألمطر وألنوم فما زالت ألغيوم مخاصمة لسمائنا بالرغم من كل دعواتنا وصلوتنا ولم تتوقف ندائاتنا ويا ليتنا نعرف سبب هذا ألخصام وألفصام ألذي فرق آله ألغيم وأله ألسماء وأي قربان سيجعلهما يلتقيان ليعقدان ألقران ....حتى يسقى ألزرع وألفكر وتتحول ألشوارع ألترابية ألى طينية لترتسم ألبسمة من جديد على وجوه ألأهالي....فقد زاد ألهم وألتعب وثقل ألحمل وألفكر فالقحيط غزا بحزاني وأحل ألجفاف و أليبس على حقولها وعيونها وبسمتها....حتى أشجار ألزيتون بدأت تدمع لسقوط ثمرها.....
وعين ألكَوم ألعزيزة صاحبت ألذكريات ألطيبة وألمغامرات ألقديمة ربما هي ألاخرى ستصبح خبر كان أو تحفة لكَومة من ألأحجار ألجرداء لأن ألماء بدأ يقل و لم يعد يسد حاجيات ألقرية و ما هي إلا أيام سيبقى ألكَوم ذكرى من ذكريات ألتاريخ ألخالدة....
يــا ويـلاه أية مصيبة ستأتي لن ا مع ألغد...؟!هل ستتحول بيوتنا ألى قبور لنا وأغطيتنا أكفاف لأجسادنا ,,أم...لانفكر بالغد قد يأتي لنا ألغد بلا مصيبة....ولكن بالنسبة لنا مصيبة واقعة وليس فكر لفكرة عابرة..
و أهل ألقرية بين ألحادث و ألحديث.....حديث من هنا وكلام من هناك...من ينادي لن أترك قريتي أرحم لحالي بأن تدفنونني حياً بين قبوري وبخور مراقدي....لاتكن مجنوناً فهذا قدر مكتوب لنا...كلامكم على ألعين و ألراس لكم قدركم ولي ألجنون ،فكيف للروح أن تغترب عن ألجسد وللنخيل أن يثمر في ألشمال.وأمرأة عجوز تقول لاأستطيع أن أمشي وبقرتي بعد شهرين ستلد...... وصوت لنحرق أنفسنا و بيوتنا....وألاخر هذا حرام....وطفلة صغيرة تنادي دجاجتي جالسة فوق ألبيض....أما ألمزارع ألذي ينام بين حقوله وينادي لوحده...حنطتي..حنطتي ...شعيري أين أنتم يا أحبائي....لماذا رحلتم عني وتركتموني لحالي..والآخر يمشي بين بساتين ألزيتون لحاله يحادث ألاشجار ألتي لم تعد تسمعه من ألعطش و أللوعة....يدمدم مع نفسه...هنا كنا نشرب ألخمر و نوقد ألنار متبادلين ألضحكات و ألتعليقات كانت أجمل ألايام..آخ يازمن.. وهناك أول مرة رأيت حبيبتي تنقي ألزيتون من ألارض آووف أحرقت أع صابي لأنها لم تنظر لي وأنا مع أصحابي...ولـو نظرة لآصبحت كالديك ألمغرورِ بينهم ومع هذا أحببتها بقدر حبي لبحزاني.....ومن بعيد على قمة ألجبل فقير يعزف على ألوتر ألوحيد و يغني مواله بدمعة مكسورة من وتره ألحزين...ناس هنا....و هناك من منهم معتصم بالبيت ومن منهم لايدخل ألبيت.....وألناس بين ألقال وألقيل و ضاع عليهم ألنوم وألاكل فهذا كان حال ألقرية....لاحـال ولاأحـوال كأجساد بلا أرواح ولم يحصلوا على قرار وحيد حكيم....بل ألكل نادى لنذهب...لنذهب...للــــــحكيم
فمنذ ثلاثة أيام أعتصم بغرفته وأليوم سيعلن قراره....وأجتمع أهل ألقرية في ألسوق ألقديم..ينتظرون قرار حكيم.. وألمنتظرون يترقبون بقلق شديد،مرتجفة أعصابهم و ألسنتهم وفي صدورهم ألهبة وأفكارهم حائرة،حتى أرواحهم بدأت غريبة على أجسامهم وعلى ألعين و ألقلب دموع هامدة للحظة ألقادمة..فتعجل يا حكيم كي نعرف رأسنا من رجلينا.؟ وهـا.......يخرج ألشيخ ألجليل......ألـحكيم
وألكل بصمت رهيب ووقف بوقاره ألعظيم و سط ألحشد ألحزين ليعلن لهم قراره ألاخير......ألرحـيل كلمة كانت صاعقة عليهم و على قلوبهم و تحولت أجسامهم ألى أصنام.......وأصفرت وجوهم....... لكن ألحكيم بحكمته أبتسم ليرفع عزيمتهم و يقلل ممن حزنهم ألعميق..قائلآ...يا أهل ألخير....لا ...لا تبكوا وتحزنوا فهذه أرادة ربكم ألـكبير...ويجب علينا أطاعة أرادة ألله كما أطاعها نبينا أبراهيم(ع) و نحن لسنا أفضل من نبينا فمن منا لا يحب بحزاني،فأحضان بحزاني كأحضان ألامهات أسقتنا و أطعمتنا ألخير وألطيب من أراضيها و دفنا أمواتنا بها لذا لنودعها بفرح و قبلات و ليس بحزن و آهات من أجل أن تبقى راضية عنا و ستبقى حبيبتنا ألى أبد آلابدين ....غداً عصراً سيكون رحيلنا.....ولكن في ألصباح ألباكر تزينوا بملبسكم و حليكم و تجمعوا في ساحة ألقرية......لتكون عزيمتكم قوية و أيمانكم أقوى من أجل أن لا تغضب ألسماء و بحزاني عنكم..
فأنصرف ألحشد بصمت حزين ...فقط طفلة صغيرة نادت أنا لا أحب هذا ألعجوز....لم يفكر بدجاجتي..وتفرق ألاهالي ألى بيوتهم بلا صوت و حس عدا صوت أيقاع خطواتهم...وهذا ما جعل قلوب ألاحجار تدمع لحالهم...وبدأ ألاهالي يلملمون أغراضهم وحاجياتهم للرحيل و يا ليتهم يحضرون أكفانهم لكان أرحم لحالهم ...وبدأ'يقلبون ويحفرون بذكرياتهم و أيامهم بين ألبساتين و ألوديان ...بين ألاحجار و ألاحزان...بين ألا زقة و ألجبال....ألغابات ولقاء ألاحباب....بين أعيادهم و أعراسهم...دبكاتهم و مشاجراتهم.....
كل ألاشياء ستصبح ذكرى للتاريخ كالخبز و ألتنور....
وهـا يرحل ألغروب ألاخير.....غروب ألوداع للأحباء......و ألطيور هي ألاخرى ترتب حالها للرحيل مع صحابها....ويظهر ألظلام شيئاً فشيئاً وكل ألاشياء ترتجف....ليتقدم ألليل و كم تمنى ألناس أن تذوب أو تمتزج أرواحهم مع هذا ألليل ....كما تمتزج ألاصباغ ألمائية....و أحتار ألاهالي من أية زاوية ينظرون و يتأملون ألاحجار أم ألاشجار..؟ غريبة و عجيبة هذه ألليلة ألكل بلا حس و نفس !!حتى ألديوك و ألكلاب..فيا ترى هل كانت حس......؟ سماء صافية لا نجوم و لا قمر مطل ألكل بحيرة فهل غداً....يوم ألقيامة؟؟
ومن بعيد من ذلك ألوادي ألعميق يأتي صوت لناي وحيد.....يرن' بين ألكهوف ألقديمة...ورائحة بخور تفوح بين ألازقة ألضيقة تلك ألاماكن ألتي كانت تجمع ألنظرات ألحرجة بين ألاحباب.....وأهل ألقرية تائهون حائرون كيف سيرحلون؟؟...ويتركون حبيبتهم بحزاني لوحدها تواجه مغالب قدر ألزمان عليها..........!!
وأطل ألفجر....وأي فجر؟! هذا ياليت لم يطل فهذه كانت أمنية ألجميع فلم ينم ح تى ألطفل ألرضيع ..فالكل كان بهاجس فظيع.....أما ألطفلة ألصغيرة تقول لأمها سأبقى مع دجاجتي....وألام تقول سنأخذ ألدجاجة معنا عند ألرحيل...وألطفلة ولكن ألبيض تحتها..؟..كفى كلام ألكل سيجتمع بعد قليل...هيا ألبسي ملابس ألعيد...وتجمع ألاهالي في ساحة ألقرية تلك ألتي كانوا يتعايدون بها و يدبكون دبكاتهم بأيدي متشابكة و قلوب متقاربة.....ثــــم أطل ألحكيم بهالته ألبيضاء ألمنعكسة من لحيته و ملبسه ووقف بينهم و بيده عصا كعصا ألنبي موسى (ع)...وقال لهم.....لنبخر مراقدنا و قبورنا ثم نودع حقولنا و أشجارنا تلك ألتي حزنت على رحيل رفاقها فلمن ستشكي همها؟؟ ومن سيجلس تحت ظلها!!...وبدأ ألأهالي يودعون بقبلات كل ألاماكن...وألنساء تبخر كل ألمساكن....رغم أن ألاحجار كانت تدمع وألشوارع تصرخ وألوديان تئن وألمراقد تنادي ألملائكة...فقط ألجبال كانت صامتة...... كصمت ألحكيم ألوقور......و أقتربت أللحظة ألاخيرة للوداع ألاخير.....فتقدم ألشيخ ألجليل ألحكيم لقول كلامه ألاخير....و هنا نادت ألطفلة ألصغيرة ...مام رشان* فأندهش ألجميع ثم قال ألحكيم نعم يجب أن نودعه أيضاً على ألرغم من هذا سيستغرق وقت ولكن هيا بنا نودعه ثم نرحل من هنا....
وتقدم ألحكيم وألجمع يمشي وراءه وفي صدورهم أنين وآهات ألرحيل...وما أن وصلوا هناك...حتى صرخت و بكت ألطفلة ألصغيرة بكلمات...يا مام رشان...هذا دعاء ألاخير لك ليصل للرب...ثم نادى ألشيخ من يبكي ...فقالوا لـه...طفلة صغيرة بريئة...فقال لتسكتها أمها...وألطفلة ألصغيرة تدمدم أنا لا أحب هذا ألعجوز....و بخر ألاهالي ألمرقد ثم عادوا ألى ألقرية ليجتمعوا في ساحة ألعيد فالحكيم سيذكر كلامه ألاخير.....من أجل مراقدنا وقبورنا.........من أجل بساتيننا وحقولنا.........نقول لبحزاني
ستبقين ألى ألآبد حبيبتنا........وستكون رايتك دوماً رايتنا........وستنبض لك قلوبنا.....
حتى أسمك سنجعله على أطفالنا....لن ننساك حتى آخر يوم في عمرنا.....فأنت أملنا ولك كل قبلاتنا.....
وشكراً لكِ على تربيتنا .....ليحفضك ألرب......فـهيا ...يا أخوان.....و هيا يا أصحاب......
لنحتفل بيوم وداعنا ولندك دبكتنا ألاخيرة لقريتنا ألحبيبة......
عزف ألمحتل*.....فصاح ألديك وهلهلت ألاشجار ودقت نواقيس ألكنائس...ثم تقاربت ألايدي و تشابكت ودبك ألاهالي وقلوبهم تدبك ألماً وتنزف حزناً و لكن من أجل حبهم لقريتهم و أيمانهم بربهم سيدبكون حتى على نار من جمر....فصرخت ألطفلة ألصغيرة وصوتها بين ألجبال صدى...حتى ألكهوف ألقديمة رجفت....وبكت ألطفلة ولم تستطع أمها أسكاتها،،،وبكت بحرقة تكوي ألجمر.....فلم تتحمل ألسماء لحرقة دموع بريئة ولحكمة ........... حكيم....وهـا تبكي ألسماء مع ألطفلة...لأنها حصلت على ألقربان...مطر...نعم مطر...ألاهالي لاتصدق...ولكنها تدبك وتبكي مع ألسماء...ألآن مسموح لهم ألبكاء...فاختلطت ألدموع وألامطار....ألصيحات وألصرخات تحت أقدام دبكتهم (صولاتكِ)وتحولت ألوان ملابسهم ألبيضاء ألى طينية وأصبح شكل ألرجال كديوك عندما تتشاجر تحت ألامطار....ومن بعيد نور' يتلألأ بين ألمراقد...وألطيور تغني وألاشجار ترقص تحت ألوان ألقوس قزح ألتي زينت ألسماء....فما كان من ألحكيم إلا أن يرفع رأسه ألى ألسماء....قائلآ شكراً يا رب ألسماء.....
وركضت إليه ألطفلة تناديه....أحبك يا حكيم وألله أحبك.....فأخذها بأحضانه وقبل رأسها...قائلآ..يـا أهل ألخير...با أهل بحزاني ليكن هذا أليوم مقدساً لنا و لقريتنا ولنسجله في تاريخنا من أجل دموع طفلتنا ألبريئة ومن أجل أيمانكم وألتي أستجابت لهما سمائنا ألعزيزة لذا في م ثل هذا أليوم من كل سنة يذهب أهل ألقرية ألى مام رشان بملابس ألعيد ألبيضاء ويقدمون ألقربان ويوزعون ألخير على ألفقراء.... على شرط أن يفتحوا في قلوبهم صفحات بيضاء....وفي عودتهم ألى ألقرية يحتفلون بعيدهم و يرشون ألماء على بعضهم ألبعض كي تغتسل أرواحهم و يزول ألسواد منها لتصبح طاهرة نقية بريئة كدموع طفلتنا ألصغيرة...فأبتسمت ألطفلة ألصغيرة وقالت....
لا...لا تمت يا حكيم لأننا نحتاج دوماً ألى حـكـيـم.
أما آن ألآوان يا أخوان...؟؟ لنبحث عن دموع بريئة ..!! لتنادي ألسماء .....
من أجل حـكـيـم.....لنا في هذا ألزمان
لأن ألجاهل يقول ما يعرف........و ألحكيم يعرف ما يقول........


*مام رشان: من أحد ألمراقد وألمزارت ألأيزيدية يقصدونه ألناس في ألربيع للدعاء لله..من أجل هطول
ألامطار على زرع ألربيع....وفي منطقة بحزاني وبعشيقة يرشون ألماء على بعضهم ألبعض
في ذلك أليوم بعد ألعودة من زيارة ألمرقد.
*ألمحتل: صوت موسيقى يصدر من ألزرناي وهي من أحدى ألادوات ألموسيقى ألكردية تستخدم
مع ألطبل( ألدهول) للدبكات وألاحتفالات