قصة. لحن الفتاة
بهزاد حيدر حسين
في هذه المحطة حيث يكون البرد صاخبا جدا و يتسلل الينا من إخمص قدمنا الى قمة رأسنا . نحتمي بماعطفنا ولو كنا نستطيع ندخل فيها ولا نخرج ابدا . في هذه المحطة حيث يتجمع الناس من زوايا متعددة ويتكومون على الرصيف رقم ثلاثة منتظرين القطار الذي ينقلهم من محطة قطار هيرفورد الالمانية الى محطات اخرى الى حيث يأخذهم طريقهم . واحيانا كثيرة وبالرغم من دقة المواعيد يتأخر القطار دقائق وهذه الدقائق تكون اقسى لحظات . حيث تمضي الثواني بقساوة كبيرة وانني اعذرها فهي لا تلبس معطف او شئ يدفئها لانها يجب ان تكون عاريا دائما لكي تعلمنا بالوقت.
انه القطار قد اتى يتقرب من الرصيف يحاول الوقوف والكل واقف يستحين الفرصة لكي يدخل الاول لكي يقضي على هذا البرد ويوجد مكانا فارغا .
يتقافز كثير من من الطلبة والعمال ليحاولوا الصعود الى القطار الذي ينقلهم من هيرفورد الى مدينة ايزبلكمب الالمانية حيث توجد هناك المدرسة . ادخل بصعوبة احاول بين هذه الزحام ان اجد مكانا مناسبا لاجلس فيه احاول الدخول من بين الناس انظر من بعيد مكانا يبدو فارغا اتقدم اليه ادنو منه اراه مجلوسا لعل احدا سابقا اتى وجلس هناك اتقدم الى غيره اراه محجوز كالعادة . اريد الجلوس لا استطيع الوقوف انني مرهق لاني استيقظ مبكرا وكان الجو خارجا باردا جدا احاول الجلوس اقرأ شيئا او اسمع موسيقى . ادير رأسي يمينا وشمالا لعله مكان فارغ او بالكاد اربع مقاعد وثلاثة جالسين ذاك المقعد امام الفتاة يبدو انها تريد ان تنام . ساطلب منها الجلوس سأحاول ان لا ازعجها اريد ان اجلس فقط ولا شئ أخر فالقطار يمضي ولا استطيع الوقوف طول الطريق ساعة واحدة سأتعب فعلا .....
(اتسمحين لي ان اجلس ) تفتح عيناها مع ظهور خفيف لخط ابتسامة يرسم نفسه على شفتيها وتهز رأسها بالموافقة بدون ان تتكلم وتحاول بعدها الرجوع الى نعاسها يبدو انها في هذه اللحظة تشعر بالبرد لانها تحاول ان تغطي يدها بكم بلوزتها الصوفية وتضعها على خدها وتتكئ رأسها على الزجاج . لكني على العكس اشعر بحرارة شديدة وحالا اتنازل على المعطف الذي على كتفي انني في هذه اللحظة اشعر بالكاد براحة جميلة , لكن لا اعلم لماذا تتسلق نظراتي هذه الفتاة انني اعرفها اني رأيتها نعم صحيح انها معنا في المدرسة . واحاول كعادتي ان اجرد نفسي من الواقع واسرق حقيقتي الى اللاحقيقتي وابحر في سفينة احلامي وابحث عن جزيرة في وسط محيط ذكرياتي لاستلقي هناك واتخلص لبعض الوقت من هذا الضوضاء الصامت . واقوم بتشغيل جهاز المسجل النقال الصغير واسمع معزوفتي الصديقة {منامو }واحاول جاهدا اغمض عيني واستبيح باحلامي واغرق بافكاري وانتقل من هذا العالم الملئ بالغربة الى ذاتي ولو للحظة وهم صادقة واسافر من حقيقة خيالي الى خيالي الحقيقي . حيث ان { منامو } تقودني بسفينة الى كل البلدان ولا احتاج جواز سفر لذلك لاني لا اقابل اي شرطي في طريقي ولا اعبر اي حدود رسمها البشر لانهم لا يستطيعوا توقيف { منامو }ابدا فيحبونها كلهم لانها تخترق كل حدود الدنيا بدون استئذان واي شخص يسافر معها يصبح مثلها مجرد من القانون وهي تعمل ليلا ونهارا بدون توقف وتكسب قوتها بنفسها وتسكن القصور ولديها في كل بيت غرفة واحيانا تنام بين المتزوجين وتشاركهم حياتهم ولا تدفع اي ضريبة لانها لاتعمل بالابيض ولا بالاسود وانما تعمل بالاخضر وفي هذا البلد ليس لديهم قانون يحاسب العمل الاخضر..
يبدو ولا شك ان { منامو } اليوم تعبة قليلا فهي البارحة لم تنام طول الليل تعمل لم تهدأ احاول ان اغمض عيني قليلا لكنها تحاول ان تزعجني تحاول ان توقضني . انها كبرت ولا شك لماذا تتصرف هكذا لا تدعني ان انام وكانت تحاول ان تتحدث ( اتركيني بسلام يا منامو رجاءا اني في هذه اللحظة اكلم ذاتي مشغول معها اننا جالسين في مقهى نتحدث قليلا اتركيني رجاءا قبل ان نصل الى المحطة لعلي افهم منها شئ اريد ان اكمل حديثي )
وتحاول { منامو } بطبعها الدكتاتوري ان تفرض نفسها علي وتتحدث ( انها ذاتك امامك حاول ان تحدثها انها خيالك الحقيقي التي تبحث عنها فهي متوجة بصمت يصعب على المرء ان يقاومها ابدء بالحديث معها لاتترد انها ليست نائمة لكنها تحاول ان تسمع ثرثرة اعماقها انني اعرفها انه عملي الاخضر تحدث يا هذا تحدث)
لااستطيع اغماض عيني ابدا او انني غافي بالفعل لا اعرف لم اعد امييز الاشياء وان افرق بين صحوتي الناعسة ونعاسي الصاحي او اسمع بعيني ام بقلبي فيمكننا ان نعيش بطرق كثيرة وحتى ان نحلم بطرق اكثر مادامت اللحظة اكبر من الحدث او ان الوقت اسرع من الضوء .
تتوقف { منامو } احيانا تهدء تصمت تخرس يقطع لسانها تتقطع اوتارها تنكسر الكمانات وتهذي احيانا وترجع مرة اخرى تستيقظ من جديد تعزف بالات موسيقية جديدة لكن بطريقة اخرى وتتهمني بالغباء لما لا انظر امامي واكلم نفسي كعادتي لما لا احاور خيالي الحقيقي ؟ انها مجسدة مجسدة فعلا بثوب فتاة مزروعة بلحظة صمت , { منامو } تغيرت اختلفت اريد التعرف عليها واحاول ان اتأكد فعلا باني وضعت الشريط الحقيقي في الجهاز ام لا .... لا لا انني وضعت حتما الشريط الحقيقي لانني لا املك غيره فعلا , لكنها اليوم { منامو } تصرخ تبكي تهذي لا اعرف ماذا جرى لها اليوم البارحة كانت لطيفة معي جدا ام شربت شيئا في المساء؟ الم تفطر هذا الصباح ؟ لكننا كل يوم نأتي بلا فطور فلماذا هذا الصباح صارخة وجائعة وتريد الخروج من ذلك الجهاز الذي يحركها ويفهمها ويسمعها للناس لماذا تقول لي هذا الصباح بانني وضعتها في السجن او انني اعتقلتها وتبحث عن الحرية ولكن اذا خرجت وهي تعرف ذلك ستموت وعنفوانا وغضبا تقول لي( بانني سأحيا بطريقة اخرى ساضع نفسي في جهاز جسدي سيتكلم معي ويحبني واحتمال كبير سيتزوجني )..
( اهدي يا منامو اهدي بالله عليك اليوم لا استطيع ان افهمك او افسرك فكل يوم اسافر معك ابحر معك فلماذا ترميني في وسط البحر وتهجريني او تحاولين قتل كل احلامي لماذا يا منامو لماذا ... لماذا لا استطيع التخلي عنك ؟ وانت تحاولين الهروب مني ... الى اين ستذهبين ؟ لماذا تحاولين تغيير حضارة جسدي الى حضارة اخرى ؟ وانا اقدم الحضارات التي احتضنتك وتحاولين تغيير تاريخ احلامي وانا الذي كان له اكبر مساحة حلم لك كان لديك بيت مأكل ومشرب وليل ونهار اي غباء هذا تحاولين الخروج من سجن الحرية الى حرية السجن ؟ وتغيير بقاءك الى ضياعك الازلي وتصعدين سفينة مثقوبة في بحر الشمال وتحاولين الدخول في عالم يختنق فيه الهواء ويعطش فيه الماء..... انا اعرفك جميلة ودودة عاقلة تزورين الله كل يوم قبل ان تنامين كيف قادك الالحاد هذا الصباح ؟ حاولي يا منامو ان تهدءي فالفتاة التي امامنا تحاول ان تنام فلا تزعجيها )...
وقالت لي منامو بطريقة موسيقية غريبة وسوأل لم استطيع ان افهمه ( انك يا فتى عرفتني كموسيقى او كروح اتحب ان تتعرف علي كجسد اتحب ان تشاهد عيوني وشعري وجسدي وتلمس اناملي واذا استطعت ان تقبلني فأنت ولا شك تعشقني )
وقد اجبتها ويملاءني الاستغراب ( طبعا منامو اريد ان اراك كيفما سمعتك اريد ان اقبلك كيفما قبلتي روحي اريد ان اسافر في جسدك كيفما سافرت في جسدي انت صديقتي الوحيدة .. اتستطيعين ان تكوني جسدا مثلنا وقلبا يخفق وعيون تبكي وشفاها تحكي وحب يتوهج ؟)
وردت علي وبثقة غير طبيعية( اذن يا هذا لاتكون اناني مثلما تحب روحك ملتصقة بجسدك دعني اذن ارجع لجسدي انني كنت ابحث دائما عنه من اليوم الذي خلقت فيه قبل عشرات السنين او الاف السنين لا اعرف كنت احاول البحث عن جسدي فتشت في كل العصور وبين البلدان وكل الحضارات وبين الاحجار والاشجار والغابات وشوارع المدينة وفي كل المساءات وبين كل العشاق .. لم اجد ابدا جسدي انني سكنت كل الناس وموسيقاي عزفت على كل الالات وشعري تناثر على كل الاكتاف وكلماتي اصبت دواوين وعشاقي اصبحوا كالرمل لايعدون وبدلا من بلد واحد اصبح لي عدة بلدان وللاسف لم اجد جسدي احساسي بالغربة كان يمزقني ويقطع كل اوتاري فدعني بالله عليك انني في هذا الصباح احس اني اترعت كل خمور الدنيا ... فدعني ارجوك اعيش ولو للحظة كذب داخل جسدي انني مثل الفتاة التي امامك اشعر ايضا بالبرد .. ان صوت جسدي يناديني )
اني اسمعها باستغراب شديد احاول الرد عليها بطريقة تفهمني او افهمها لا اعرف بالضبط ( ماذا بك منامو ماذا جرى لك ؟ انت التي تعشقينا ولا تعشقي انت تحلمينا ولا تحلمني تبكينا ولا تبكي .. ولماذا تنظرين الى هذه الفتاة وتحاولين ان تجلسي معها او تزعجيها انها تريد ان تنام واحيانا تفتح عيناها لابد انها انزعجت ان اليوم صوتك كان عاليا جدا ازعجتها فعلا ماذا تريدين منها ؟ )
ولم تنتظر منامو اي لحظة فأجابتني بطريقة عفوية غريبة ( انها يا هذا جسدي الذي ابحث عنه اريد الذهاب اليه ارجوك دعني فك قيودي انها تناديني اتنظر انها اليوم لم تنام تبتسم احيانا عيناها تضحك تتأمل تحاول ان تدفئ نفسها معي دعني ارجوك ارحل اليها )
فأجبتها وفي داخلي شئ من التوسل ( منامو انني تعودت الى اين تسافرين اسافر معك واين تقطنين اقطن معك انني يا منامو احس بهذه الفتاة تحاول ايضا سرقة شئ مني ولكن ما هو لا اعرف )
( نعم يا هذا انها سرقت قلبك لاننا انا وهي نحتاجه ولكن لا تستطيع ان تسكن معي فلدي قانون في مملكتي [انني استطيع ان اسكن مع اي شخص يريدني ولكن لا احد يستطيع ان يسكن معي في شخص اريده ] واذا تريد كل يوم ان تراني انظر عينيها ستراني المس يدها ستحس بي تكلم معها ستسمعني واذا حاولت ان تقبلها ففي تلك اللحظة تلمس كل اوتاري )
ويمضي القطار بنا والكل مستعد على ما يبدو للوصول وكانت هذه اللحظات تلم منامو حقائبها وتريد هي ايضا ان تنزل في المحطة التي كانت تبحث عنها دائما فوجدتها .. وبينما ارفع عيناي وانظر عيناها تظهر ابتسامة جميلة على وجهها وتسكت منامو ويتوقف جهاز المسجل وتقول لي الفتاة ( اننا وصلنا ايزبلكمب فيجب ان ننزل لكني اشكرك على هذه الموسيقى انني سمعتها جيدا فيبدو ان جهاز المسجل كان عاليا جدا فكانت رائعة )
وتخرس اللحظة كعادتها فانني احتقر الايام عندما تكون ساعة والساعة عندما تكون دقيقة والدقيقة عندما تكون ثانية والثانية عندما تكون لحظة واللحظة عندما تذوب ...... فنزلنا انا ومنامو ومشينا مع بعض الى المدرسة فيبدو ان منامو اصبحت طالبة في المدرسة..................
08-02-2004
Eisbergen- Deutschland
ملاحظة . منامو موسيقى عالمية
هيرفورد. مدينة المانية
ايزبلكمب. مدينة المانية