قصة

(غبار)

نوزت شمدين

    لا أعلم لماذا كنت أظن أن رائحتي كريهة ، وأن ربع وزني غبار ، ربما لأن كل الذين يعملون في دائرة المجاري يفتقدون إلى لمعة الأناقة . أنا واحد من الذين يتنقلون بكثرة ، وأذهب باستمرار إلى المشاريع ، الحفريات وجعي الخاص والمزمن . أمي تبحث لي عن فتاة وأنا أبحث عن لمعة مفقودة .

     اعتدت أن أغادر ذلك المبنى العتيق الذي تسبح فيه الأتربة مثل الأشباح إلى مقهى ( الدمنهوري ) أجلس على أريكة تطل على الشارع . أبتلع دخان النرجيلة بانتظار ( بهزاد ) صباغ الأحذية . كنت أضع قدمي على صندوقه الأسود المزدان بالمرايا وعلب الأصباغ المستوردة والفرش الكبيرة التي تشبه الزوارق . بهزاد من الذين يحرصون على التخصص في شيء ما ، يرتدي الملابس البيضاء النظيفة وكأنه يريد أن يبرهن على مهارته . يتعامل مع الحذاء بلمسة رقيقة ، لمسة خفيفة وحاسمة مثل التفاتة بسيطة يطلبها المصور وهو خلف كامرته . يفعل هذا بشكل يومي ، وأحياناً يجلس أمامي دون أن يلقي علي التحية ، بلطخ الجلد بالصبغ وينهمك في اجتهاد معيداً البريق للحذاء .

     عادةً ما يتأخر شريف في خروجه من دائرة الاتصالات ، يمر علي بسيارته ( الفوكس واكن ) ليأخذني معه إلى البيت ، عندها يكون بهزاد قد بذل جهداً استثنائيا لجعل حذائي محافظاً على بريقه حتى اليوم التالي . فاطمة التي في الحسابات تقول ( أناقة الرجل تكمن في حذائه ) .

      نحن عادة ما نصل إلى نتائج عظيمة إنطلاقاً من أمور تافهة ، سنة كاملة وبهزاد يساعدني على تخفيف توتري الصباحي ونفوري من وظيفتي التي لا أستحقها ، أمي تقول ( الوظيفة تساعد على الزواج ) ! .

     كان بهزاد قليل الكلام يمتلك نظرة طليقة وخفة هيدروجينية . اطلب له الشاي ، يرفض النهوض عن علبة الصفيح التي يجلس عليها . نتبدل الحديث عن الحوادث المرورية ويخبرني عن صعوبة حصوله على مكان ثابت على الأرصفة ، هو قليل الكلام وغامض ، لكنه يحرص دائماً على مساعدتي في المحافظة على بهائي .

    لم يظهر بهزاد في يوم السبت ، جاءني شريف في الوقت المحدد ، لم أترك المقهى طلبت منه أن يشرب الشاي معي في انتظار بهزاد ، مضت نصف ساعة دون أن يكون له أي أثر ، شعرت بالقلق، وبعد إلحاح من شريف تركت المقهى وأنا أشعر باضطراب شديد ، الأمر نفسه تكرر في اليوم التالي ، قال شريف بأن صباغي الأحذية يملئون الشوارع وأنه لا يعرف سر تعلقي ببهزاد ؟ ولكنني فضلت أن أشتري علبة صبغ وفرشاة ، وأطبق على حذائي ما كان يفعله صباغي الغائب . في يوم الثلاثاء وقبل أن يأتي جاري لأخذي بسيارته رأيت بهزاد يدخل الشارع وهو يدفع عربة كبيرة يتوسطها قدر ضخم تتصاعد منه الأبخرة . أوقف عربته أمام المقهى ، وجاءني بصحن باقلاء رش فوقها الزعتر . قال لي بأنه ترك مهنة صبغ الأحذية وأنه سيرسل لي في القريب أحد أصدقائه

 

 

( 1 )

ليحل محله بشكل يومي ، شعرت بحزن عميق وأنا أشكره وأخبرته بأنني اشتريت علبة صبغ وأنني افعل هذا بنفسي رغم عدم وصولي إلى تلك اللمعة التي يتركها صامدة على حذائي .

    سألتني فاطمة إن كنت أمر بظروف صعبة ، فلقد فشلت تماماً في تقليد لمعة بهزاد . لم أكن أستطيع ترك حذائي لصباغ آخر ، مهارة بهزاد شيء لا يعوض .

    مع بداية شهر حزيران رأيته يدفع عربة لبيع الملابس المستعملة ، جلس بجواري على الأريكة وطلب نركيلة قال لي دون أن يرفع عينه عن حذائي بأنه يكسب الكثير الآن وأنه يفكر في توسيع عمله . شعرت بالضيق دون أن أتمكن من إفشاء سر الكآبة التي تلبسني . أخذت إجازة طويلة من العمل وحاولت بشتى الوسائل أن انتقل إلى قسم الذاتية وشؤون الأفراد إلا أن المدير رفض ذلك وقال لي بأن شهادتي الجامعية لا تسمح بهذا .

   أخبرني شريف بأنه شاهد بهزاد في محل لبيع السكائر بالجملة . دفعني الفضول إلى رؤيته . استقبلني بابتسامة عريضة ، ادعيت بأنني كنت أمر من هناك بالمصادفة وأنني رأيته وجئت للسلام عليه . بدا مشغولا يستعمل الهاتف بكثرة ويراقب عن كثب صعود وهبوط السوق . غادرت المحل إلى المقهى ونصف وزني غبار .

   أخذت مشاكلي تتفاقم ولكن المدير كان يرفض نقلي على الدوام ، ويمنحني الإجازة تلو الأخرى ، شريف فكر في الأمر بطريقة أخرى فقد قال لي ( أترك العمل إذا لم تجد نفسك فيه ) 0

    في ليلة العيد ذهبت مع شريف إلى السوق . قادني إلى محل لبيع الملابس الرجالية . اقترحت أن نقوم بجولة عامة ، ولكنه أصر أن نقصد محل اللؤلؤة . أخذ شريف قميصاً وبنطلوناً أما أنا فقد اكتفيت بحذاء من جلد الروغان الذي لا يحتاج إلى صبغ . وعند الدفع جاءنا من الخلف صوت رفيع يطلب من العامل أن يخصم لنا من السعر . التفت إلى الصوت فوجدت بهزاد يقف خلفي بأناقة براقة . صافحني بمودة وقال بأن المحل تحت أمرنا وأننا سنجد دائماً ما يسرنا .

   تزوجت فاطمة وانقطعت عن العمل . قلت لأمي أن الوظائف تساعد على الزواج ولكن هذا لا ينطبق على الجميع . كان شريف يتحدث باستمرار عن بهزاد وأخبرني أكثر من مرة عن لقائه به في مناسبات مختلفة . لا أعلم لماذا ظن شريف أن الأمر يتصل بجرح ما . علمت من أمي أن جاري باع سيارته . هو لم يخبرني بذلك مما اضطرني إلى الكف عن عادة الجلوس في المقهى . لم أره لفترة طويلة . تركت له في البيت اكثر من خبر للاتصال بي لكنه لم يفعل .

   طرقت باب بيته في صباح الجمعة خرجت زوجته و أخبرتني أنه في الورشة . سألتها :

-         أية ورشة ؟

 قالت لي من خلف الباب :

-         ورشة تصليح الهواتف التي استأجرها في عمارة صديقه بهزاد الجديدة .

  شكرتها وأنا اشعر بأن كلي غبار .

 

 

 

( 2 )